- قصة من الشرق قصة من الشرق - qalam2 -->
U3F1ZWV6ZTE5Njg1NzI2OTY3X0FjdGl2YXRpb24yMjMwMTIxMjc5MzM=
recent
أجدد المواضيع على قلم2

قصة من الشرق

قصة من الشرق

 قصة من الشرق، قصص رعب، قصه رعب
قصه رعب

في ظلام الليل، في قلب صحراء تحكمها الأطياف، تحت سماء مرصعة بالنجوم و على رمال تشهد على ما قبل التاريخ، وقف رجل يرى العالم من خلف لثامه الأسود، يقتفي آثار الرياح لتدله على طريق وسط الصحراء لا يراها إلا هو. يعرفه سكان القبائل بالجوال المجهول. يمر عليهم في ليال متفرقة ليشق طريقه بعدها في الصحراء وحيدا، لغرض لا يعلمه إلا الله. كثرت الأقوال و اختلفت الروايات حول رحلته الليلية الغامضة، فمنهم من هابه ولعنه و منهم من أفسح له الطريق إعجابا بجرأته. إلى أن وصل خبره إلى شيوخهم، ما أشعل فضولهم، إذ تشاوروا فيما بينهم ليبثوا في أمره، فأرسلوا عيونهم و فرسانهم تراقبه كلما مر بهم ليلا.

لكن جواسيسهم عجزوا عن تعقبه و عادوا خائبين مرات و مرات، فقد كانت الصحراء أخطر الأماكن ليلا؛ ذئاب و ضباع تتضور جوعا و أصوات رهيبة غير مبررة، فسروها بأصوات الجن و فسروها بأصوات قوافل تبتلعها الرمال.. فكيف للرجل الملثم وحده أن يغمس قدميه في ثنايا الموت و يعود سالما بعد بضعة أيام يا ترى؟ كانت الصحراء بالنسبة إليهم نهاية العالم، أما بالنسبة له فكانت مجرد رحلة قصيرة.

فما كان أمامهم سوى أن يتجاهلوا أمره.. مرت السنون و الأعوام و الجوال المجهول لا زال على حاله يمر بالقبائل بخطى رزينة دون أن يكلم صغيرا أو كبيرا. يتركهم حائرين في كل ليلة يسافر بها و هم عاجزون عن حل اللغز..

في ليلة باردة عاصفة إلتقى البطلان وجها لوجه أخيرا، في أطلال قرية مطلة على الصحراء الموحشة، فاعترض الفارس طريق الملثم بدون مقدمات، طالبا منه مرافقته في رحلته مجهولة الوجهة، وافق الملثم دون أن ينقط بحرف، فقط يإيماءة تكاد لا تلاحظ. فمشيا معا نحو نهاية العالم..
إلا واحدا من بلاد الفرس العظيمة داع صيته بين الأهالي لبسالته و جسارته؛ فارس شاب مزهو بفحولته و سيفه المهند، لطالما سمع قصصا حول الصحراء و وحوشها الضارية، فلم يفكر في دخولها يوما إلى أن استوقفته قصة رجل مجهول يتردد عليها ليلا، فعقد العزم على فك الأحجية ليكون بذلك أول من يقتحم الربع الخالي.
لازم الفارس الشاب أسوار القبائل لأيام، منتظرا مرور الجوال الملثم، فكان يسهر ليالي الشتاء الطويلة الباردة دون أن يغمض له جفن، إلى أن وصل اليوم الموعود.
عاد الجوال أخيرا مارا بالقرى لوحده ممتطيا جواد الفارس دون الفارس، فسرعان ما نطقت ألسنتهم الحاقدة بعبارات اللوم و تحول الإعجاب بالشجاعة إلى اتهام بالقتل و الكفر..
مرت أيام و أيام و طالت مدة السفر هذه المرة، أ مجرد صدفة مربكة أم للمرافق الجديد حق في هذا يا ترى؟ هكذا حديث الأهالي طيلة غياب الجوال و الفارس، و الشيوخ منهم لا ينفكون يرددون أساطير العزيف و الرمال المتحركة و ينشدون لهم الهلاك عوض السلامة.
قتلوا الملثم و ما اقتنصوا غايتهم منه فسرعان ما أدركوا حماقتهم، قتلوا بطلهم و لم يعد لاسمه أثر على ألسنتهم، بل حملته رياح الصحراء ليقبع تحت رمالها، حيث الأساطير و معالم الخوف. غير أن الصدمة جاءت أقوى من المتوقع، فالفارس المغوار لم تبتلعه رمال الصحراء و لا وحوشها، بل عاد يزحف و يهذي كمن خرج من ويلات الحرب، أسعفوه بما أوتو من عدة لكن جراحه كانت أعمق من أن تشفى.. تسائل عن الملثم فأخبروه بفعلتهم، و جاءه الخبر كضربة السيف، فبكى دموعا و دما و أخرج نايا من جلبابه و هو يقول:
حتى صار البطل في أعين القبائل ملك الموت في صورة أقبح، فعزموا على توقيفه و وضع نهاية للمجهول سيئ السمعة.
تجندوا له عند الحدود حيث الأطلال ليلا، و زجوا به في السجن ليكشف عن سره تحت وطأة التعذيب؛ إلا أنه لم ينطق بحرف واحد يخمد نار السؤال الشيطاني في خواطرهم، ما جعلهم يثورون غيضا، والشيطان يشعل نار حقدهم اليائس، فأجمعوا على صلبه تحت الشمس الحارقة، انتقاما للفارسي الذي لم يعد و انتقاما لعدم امتثاله لسلطتهم الجبانة. صلبوه و الشمس في كبد السماء تلفح جسده النحيل حتى انفصلت الروح عن صدره و انفصل معها سره إلى الأبد..
يا ويلكم من مجانين.. قتلتم المجهول لتكشفوا المجهول و ما أوتيتم من جواب.. كان مجرد عازف ناي يجلس على حافة جرف يسمع أنغامه لروح الصحراء فيرد عليه الصدى..
لفظ الفارس أنفاسه الأخيرة و هو يردد.. كان مجرد عازف ناي..
بقلم
طه مبطول من المغرب
الاسمبريد إلكترونيرسالة